
بعد عامين من الفاجعة.. القضاء الإيطالي يفتح ملف "التقاعس" في إنقاذ مهاجري كوترو
شهدت محكمة مدينة كروتوني (Crotone) الجنائية، الواقعة في إقليم كالابريا بجنوب إيطاليا، انطلاق جلسات محاكمة مثيرة للجدل تتعلق بملف غرق المهاجرين في عرض البحر المتوسط، وهي القضية التي تضع سياسات الهجرة الإيطالية والأجهزة الأمنية تحت مجهر المساءلة القانونية والدولية. وتتمحور وقائع هذه المحاكمة حول اتهامات وُجهت لمسؤولين في الشرطة وخفر السواحل تتعلق بالقتل غير العمد والتقاعس عن أداء الواجب، إثر حادثة غرق مأساوية أودت بحياة العشرات من المهاجرين الذين تقطعت بهم السبل في عرض البحر دون تلقي استجابة سريعة لنداءات الاستغاثة.
وتأتي هذه المحاكمة في وقت حساس للغاية، حيث تسعى الهيئات الحقوقية وعائلات الضحايا إلى إثبات وجود تقصير مؤسساتي ناتج عن التوجهات السياسية المتشددة للحكومة اليمينية الحالية، والتي فرضت قيوداً صارمة على عمليات الإنقاذ التي تقوم بها المنظمات غير الحكومية، مما أدى بحسب مراقبين إلى تحويل مساحات واسعة من المتوسط إلى مناطق غياب تام لآليات الإغاثة.
وقد ركزت الجلسة الافتتاحية على مراجعة السجلات الزمنية لنداءات الاستغاثة ومطابقتها مع تحركات القطع البحرية الرسمية، حيث يحاول الدفاع نفي تهمة القصد الإجرامي أو الإهمال المتعمد، معتبراً أن الظروف الجوية وحالة المراكب المتهالكة هي المسؤول الأول عن الفاجعة، في حين تصر جهات الادعاء على أن التأخر في إصدار أوامر التدخل كان قراراً يتجاوز الجانب التقني ليرتبط بضغوط سياسية تهدف إلى تقليص عدد الواصلين إلى السواحل الإيطالية بأي ثمن.
ولا تقتصر تداعيات هذه المحاكمة على الجانب الجنائي للأفراد المتهمين، بل تمتد لتشكل سابقة قانونية قد تعيد صياغة بروتوكولات التعامل مع قوارب المهاجرين في المستقبل، خاصة مع تزايد الانتقادات الدولية لبروكسل وروما بشأن الالتزامات الإنسانية وقوانين البحار التي تفرض إنقاذ أي شخص في حالة خطر، وهو ما يجعل من حكم المحكمة المنتظر وثيقة تاريخية ستحدد ملامح المسؤولية الأخلاقية والقانونية للدول الأوروبية تجاه مآسي الهجرة غير الشرعية التي لا تزال تنزف في عمق المتوسط.



