
أزمة "المانش" تضع لندن وباريس تحت مقصلة الضغوط السياسية واتفاقيات الإعادة
يواجه المحور الدبلوماسي بين لندن وباريس اختباراً عسيراً مع تصاعد وتيرة عبور المهاجرين غير النظاميين للقناة الإنجليزية، وهي الزيادة التي أعادت ملف “قوارب الموت” إلى واجهة السجال السياسي في كلا البلدين.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشير فيه البيانات الرسمية إلى وصول إجمالي عدد المهاجرين الذين عبروا القناة منذ عام 2018 إلى أكثر من 194 ألف شخص، بينما سجل العام الماضي وحده عبور أكثر من 41 ألفاً، ما يضع حكومة حزب العمال في بريطانيا أمام تحدي الوفاء بوعودها في “استعادة السيطرة على الحدود”.
وتتزايد الضغوط بشكل خاص على رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الذي يواجه انتقادات من الجناح اليميني بسبب بطء إجراءات الترحيل، ومن المنظمات الحقوقية التي تندد ببرنامج “واحد مقابل واحد” المثير للجدل، والذي يقضي بإعادة المهاجرين إلى فرنسا مقابل استقبال طالبي لجوء عبر مسارات نظامية.
وعلى الضفة الأخرى من القنال، لم تكن الحكومة الفرنسية بمنأى عن هذه الضغوط، حيث تجد باريس نفسها مطالبة ببذل جهود أمنية مضاعفة لمنع انطلاق القوارب من شواطئها، وهي المهمة التي استنزفت موارد هائلة وأدت إلى تبني تكتيكات ميدانية خشنة مثل “ثقب القوارب المطاطية” قبل انطلاقها.
ويثير هذا التنسيق الأمني المكثف، الذي شمل نشر وحدات نخبة ومنح الشرطة الفرنسية صلاحيات أوسع للتدخل في المياه الضحلة، موجة من الغضب لدى الناشطين والمنظمات غير الحكومية التي تتهم باريس بالعمل كـ “حارس حدود” لصالح لندن.
وتتفاقم الأزمة السياسية مع اعتراف وزيرة الداخلية البريطانية، شبانة محمود، بوجود “تعقيدات تشغيلية” تعيق سرعة تنفيذ اتفاقيات الإعادة، حيث لم تتجاوز أعداد المهاجرين المُعادين إلى فرنسا بضع مئات مقارنة بعشرات الآلاف الذين نجحوا في الوصول إلى الشواطئ البريطانية، مما يعكس الفجوة الكبيرة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني.
إن المشهد الحالي اليوم يظهر أن ملف الهجرة تحول من قضية حدودية إلى أزمة سيادية تمس جوهر العلاقات البريطانية الفرنسية، لا سيما مع اقتراب المواعيد النهائية لتطبيق أنظمة فحص إلكترونية جديدة للمسافرين (ETA) في فيفري الجاري، والتي قد تزيد من تعقيد حركة التنقل بين البلدين.
وفي ظل غياب حلول جذرية توازن بين الالتزامات الإنسانية والقبضة الأمنية، تظل القناة الإنجليزي “ساحة صراع” سياسي لا تهدأ، حيث تسعى لندن لتسريع عمليات الترحيل لامتصاص غضب الشارع، بينما تحاول باريس الحصول على تمويلات أكبر وضمانات بأنها لن تتحمل وحدها عبء الفشل الأوروبي في إدارة تدفقات الهجرة، ليظل المهاجرون عالقين بين مطرقة الاتفاقيات الثنائية وسندان الأمواج المتقلبة.



